الصحة النفسية في بيئة العمل: مسؤولية مشتركة نحو أداء مستدام

لم تعد الصحة النفسية رفاهية في بيئة العمل الحديثة، بل أصبحت أحد أعمدة الاستدامة المؤسسية. فالموظف المنهك لا يمكنه الإبداع، والفريق المرهق يفقد الانسجام، والمؤسسة التي تتجاهل الصحة النفسية لأفراد الفريق تخسر تدريجيًا رأس مالها البشري، وهو أثمن أصولها.

في عالم يتسارع بإيقاع غير مسبوق، حيث تتشابك الضغوط المهنية والشخصية، أصبحت الصحة النفسية المؤسسية     (Organizational Wellbeing)  ضرورة استراتيجية تتطلب منهجًا متكاملاً يشمل الفرد، والفريق، والقائد، والمنظمة بأكملها.

أولاً: لماذا تُعد الصحة النفسية أولوية استراتيجية للمؤسسات؟

  • للأفراد: الموظف الذي يعاني من توتر مزمن أو قلق مستمر يفقد قدرته على التركيز، وتتراجع جودة قراراته وثقته بنفسه.
  • للفرق: عندما يتأثر عضو واحد، تنتقل العدوى العاطفية إلى الجميع، فتضعف روح الفريق وتزداد الصراعات الصغيرة.
  • للمؤسسات: تظهر الخسائر على شكل ارتفاع الغياب المرضي، الحضور غير الفعال (Presenteeism)، وتزايد الاستقالات، فضلًا عن انخفاض الولاء المؤسسى والإنتاجية العامة.

الاستثمار في الصحة النفسية ليس إختيارا، بل قرار إداري ذكي يحمي الأداء ويعزز الاستدامة ويخفض التكاليف غير المباشرة المرتبطة بمعدلات دوران الموظفين وفقدان الكفاءات.

ثانيًا: أدوارك القيادية في دعم الرفاهية والصحة النفسية

  1. مع الزملاء

ابدأ بالإنصات قبل التدخل. لاحظ العلامات البسيطة  مثل: الانسحاب، العصبية، أو الإرهاق الواضح.
يمكنك تقديم دعم فعّال دون تطفل عبر عبارات بسيطة مثل: “لاحظت أنك متعب مؤخرًا، هل يمكنني مساعدتك بطريقة ما؟”

تقنيات عملية:

  • استخدم مفهوم الاستماع النشط Active Listening-  امنح الطرف الآخر مساحة للتعبير دون مقاطعة.
  • طبّق الذكاء العاطفي Emotional Intelligence- افهم المشاعر قبل الحكم على المواقف.
  • اعتمد قاعدة الحدود الآمنة كن داعمًا دون أن تتجاوز الخصوصية.
  1. مع المرؤوسين

القائد الناجح لا يقيس الأداء بالأرقام فقط، بل بالقدرة على خلق بيئة يشعر فيها الأفراد بالأمان النفسي.
اجعل الحديث عن الضغوط أمرًا طبيعيًا، وابدأ بنفسك في نمذجة التوازن بين العمل والحياة.

في كثير من الأحيان، يكون المدير المباشر هو الحلقة الفاصلة بين السياسات الإيجابية والواقع اليومي للموظفين. فحتى أكثر المؤسسات نضجًا تنظيميًا قد تفشل في تحقيق الرفاهية النفسية إذا لم يمتلك المديرون الأدوات الصحيحة لإدارة ضغوطهم وضغوط فرقهم.
فيما يلي أبرز التقنيات العملية التي يمكن تطبيقها مع المديرين لتعزيز ثقافة الدعم والتوازن النفسي داخل المؤسسة:

  • تقنية المحادثة الوقائية   (Preventive Conversations)بدلاً من الانتظار حتى تظهر الأزمات، يمكن للقائد أن يجري حوارات وقائية قصيرة ومنتظمة مع فريقه حول الضغوط والتوازن بين العمل والحياة
  • تقنية الشفافية المتبادلة (Two-Way Transparency)  – من المهم أن يُظهر المدير جانبًا من إنسانيته أيضًا. عندما يشارك القائد تجاربه الشخصية في التعامل مع الضغط، يشعر الفريق أن الضعف ليس عيبًا بل سلوكًا إنسانيًا طبيعيًا.
  • تقنية التحقق الثلاثي  (Triple-Check Model)نموذج عملي طورته “فينيكس” ضمن أدواتها الإدارية لتقوية التواصل النفسي بين المدير وموظفيه.
    يتطرق الى ثلاث ابعاد أثناء الاجتماعات الفردية أو الأسبوعية:

    • تحقق من الحالة النفسية: كيف تشعر اليوم على مقياس من 1 إلى 10؟
    • تحقق من البيئة: ما الذي يؤثر حاليًا على أدائك أو راحتك في العمل؟
    • تحقق من الدعم: ما نوع المساندة التي تحتاجها مني أو من الفريق هذا الأسبوع؟
  • تقنية تحديد حدود العمل (Work Boundary Mapping)في كثير من الفرق، تتآكل الحدود بين العمل والحياة تدريجيًا دون أن يلاحظ أحد وهنا يأتى دور للمدير الواعي الذى يقود مبادرة “رسم الحدود” بطريقة ذكية.
  • تقنية التفويض الواعي (Mindful Delegation)غالبًا ما يكون مصدر الضغط هو العمل المفرط الناتج عن ضعف التفويض.
    التفويض الواعي يعني توزيع المهام بناءً على القدرات والطاقة النفسية وليس فقط الكفاءة.

 

  1. مع المديرين

الصراحة اللبقة هي مفتاح العلاقة المتوازنة مع الرؤساء. فالموظف الذي يتحدث باحترام عن أعبائه قبل أن تتحول لأزمة، يُكسب ثقة قيادته.

  • شاركهم اقتراحاتك حول تحسين بيئة العمل — لا بوصفك متذمرًا، بل شريكًا في الحل.
  • تذكّر أن المدير أيضًا تحت ضغط، وأن لمسة تقدير بسيطة قد تغيّر المناخ النفسي للقسم بأكمله.

ثالثًا: دور المؤسسة – من المبادرات إلى النظم المستدامة

الجهود الفردية وحدها لا تكفي. لا يمكن بناء بيئة صحية دون أنظمة وسياسات تعزز التوازن وتمنع الاحتراق الوظيفي قبل حدوثه.

على المؤسسة أن تعمل على سبعة محاور متكاملة:

  1. الوعي والتثقيف:
    • تدريب القادة والموظفين على مفاهيم الصحة النفسية.
    • عقد ورش عمل حول التعامل مع الضغط والتعاطف التنظيمي.
  2. الأنظمة والسياسات:
    • تضمين بنود الصحة النفسية في سياسات الموارد البشرية.
    • مراجعة عبء العمل والتوصيفات الوظيفية بشكل دوري.
  3. المرونة في العمل:
    • تطبيق نظم العمل الهجين، أو الخيارات الجزئية المؤقتة.
    • تعزيز ثقافة “النتائج لا الساعات”.
  4. برامج الدعم النفسي:
    • إتاحة استشارات نفسية سرية عبر شركاء مختصين.
    • إنشاء “خط دعم داخلي” للموظفين يمكنهم التواصل معه بسرية.
  5. تدريب المديرين:
    • تطوير قدراتهم على التعرف المبكر على الإرهاق النفسي.
    • تدريبهم على أدوات إدارة الفريق بإنسانية وحزم في آن واحد.
  6. بناء ثقافة الراحة والاعتراف:
    • الاحتفاء بأوقات الراحة والإجازات كما يتم الاحتفاء بالإنجازات.
    • دمج “لحظات التعافي” ضمن الاجتماعات أو الفعاليات.

 

  1. القياس المستمر:
    • تتبع مؤشرات الاحتراق والرضا الوظيفي، والارتباط المؤسسي.
    • استخدام البيانات لتصميم تدخلات واقعية مبنية على الأدلة.

رابعًا: حلول “فينيكس” المتكاملة لتعزيز الرفاهية النفسية المؤسسية

تؤمن فينيكس Phoenix بأن رفاهية الموظف هي انعكاس مباشر لصحة المنظمة بأكملها. ومن هذا المنطلق، طوّرنا حزمة حلول متكاملة تمزج بين التطوير التنظيمي (OD) والتمكين البشري (HR Enablement) والثقافة المؤسسية (Culture Transformation):

  1. عدسة التطوير التنظيمي (OD Lens)

تحليل عميق لبنية العمل لتحديد نقاط الضغط التنظيمي مثل ضعف توزيع المهام، أو تضارب السلطات، أو غياب قنوات التواصل.
نستخدم أدوات تشخيصية مثل Phoenix Org X-Ray وWorkflow Stress Mapping لتحديد جذور الإجهاد المؤسسي.
النتيجة: توصيات عملية تعالج الأسباب لا الأعراض — من إعادة تصميم الأدوار إلى توحيد المسارات الإدارية.

  1. تمكين الموارد البشرية (HR Enablement)

تحويل إدارة الموارد البشرية من دور إداري إلى محرك للرفاهية المؤسسية.
يشمل ذلك:

  • تصميم سياسات مرنة (إجازات، ساعات عمل، تقييم أداء متوازن).
  • إدماج برامج تقدير الموظفين (Recognition Frameworks) التي تعزز الشعور بالإنصاف والانتماء.
  • أتمتة العمليات بما يقلل الإجهاد البيروقراطي ويمنح الوقت للتفاعل البشري.
  1. برامج الرفاهية العملية (Wellbeing Programs)

حزم تطبيقية متنوعة تشمل:

  • جلسات تدريب على المرونة النفسية (Resilience Workshops) لبناء مهارات التكيف الإيجابي.
  • تحديات العافية الشهرية لتعزيز النشاط والحيوية.
  • فحوصات الرفاهية المؤسسية (Wellbeing Check-ins) بشكل دوري لقياس الحالة النفسية في الوقت الفعلي.
  • التعاون مع خبراء واستشاريين لتقديم دعم نفسي احترافي عند الحاجة.
  1. التحول الثقافي (Culture Transformation)

من خلال مبادرات موجهة، نعمل على تطبيع الحديث عن الصحة النفسية داخل بيئة العمل.
نُدرّب القادة كسفراء رفاهية، وننشئ برامج “زميل داعم” (Peer Support Program)، ونحوّل قيم المؤسسة لتشمل “العناية بالإنسان قبل الأداء”.

النتيجة النهائية:
ثقافة مؤسسية تُقدّر الراحة بقدر ما تقدّر الالتزام — وتُكافئ السلوك الصحي كما تكافئ الإنجاز.

 

 

خامسًا: أثر التحول

عندما تُطبّق هذه الحلول بجدية، تتحول بيئة العمل من مصدر للضغط إلى مساحة للنمو والتوازن.

  • تقل معدلات الغياب المرضي بنسبة قد تصل إلى 30%.
  • تزداد معدلات الاحتفاظ بالكفاءات، ويقوى الولاء التنظيمي.
  • تتسع دائرة الابتكار والإبداع لأن الموظفين يشعرون بالأمان والدعم.

الصحة النفسية في العمل ليست رفاهية، بل محرّك استراتيجي للاستدامة والتميز المؤسسي.

الخاتمة

في النهاية، الصحة النفسية مسؤولية جماعية — بين القادة والموظفين والمؤسسات على حد سواء.
الاستماع، التعاطف، والاحترام ليست فقط قيمًا إنسانية، بل أدوات إدارية فعّالة تضمن بيئة عمل متوازنة ومنتجة.

حين تجعل المؤسسة رفاهية موظفيها جزءًا من منظومتها التشغيلية لا مبادرة جانبية، تتحول من مكان للعمل إلى منظومة إنسانية متماسكة تحقق النجاح دون أن تستنزف الإنسان.

في فينيكس، نؤمن أن رفاهية الأفراد هي الشرارة الأولى لنهضة المؤسسات.”

شارك

Facebook
Twitter
LinkedIn

Related Posts

Uncategorized

إعادة تعريف تقييم الإعاقة – رؤية الإنسان لا الحالة

تخيل ثلاث نساء يتمتعن بالنشاط والحيوية، يشتركن في العمر نفسه والمستوى الاجتماعي والاقتصادي ذاته: إحداهن مذيعة تلفزيونية، والثانية جراحة، والثالثة ربة منزل. الآن، لنتصور أن النساء الثلاث تعرضن للحادث نفسه الذي أدى إلى بتر أيديهن المهيمنة. فكيف يمكن أن يؤثر هذا الحادث والإعاقة الناتجة عنه على حياة كل واحدة منهن

Read More »
Uncategorized

إعادة البناء من الداخل: إرساء مؤسسات الرعاية الصحية في مدينة ما بعد الصراع – الموصل

الموصل… تلك المدينة التي كانت يومًا تنبض بالحياة، بالعلم والتجارة والفن، دفعت ثمنًا باهظًا للحرب،  تهشّمت جدرانها، وتكسّرت مآذنها، وخفتت أصوات الحياة فيها… لكن روحها لم تنكسر وتسير اليوم بخطى ثابتة نحو النهوض، لا بإعادة بناء حجارتها فحسب، بل بإحياء هويتها الأصيلة. وأكثر ما يلفت الأنظار في الموصل ليس الدمار

Read More »