إعادة تعريف تقييم الإعاقة – رؤية الإنسان لا الحالة

تخيل ثلاث نساء يتمتعن بالنشاط والحيوية، يشتركن في العمر نفسه والمستوى الاجتماعي والاقتصادي ذاته: إحداهن مذيعة تلفزيونية، والثانية جراحة، والثالثة ربة منزل.
الآن، لنتصور أن النساء الثلاث تعرضن للحادث نفسه الذي أدى إلى بتر أيديهن المهيمنة.
فكيف يمكن أن يؤثر هذا الحادث والإعاقة الناتجة عنه على حياة كل واحدة منهن من حيث الأداء، والمشاركة المجتمعية، والتكيف النفسي والاجتماعي؟

إذا ما اتبعنا النموذج الطبي أو نموذج القصور العضوي لتقييم الإعاقة المكتسبة، فإن النساء الثلاث يُعتبرن في نظر الطب يعانين من الحالة نفسها والقصور ذاته؛ فالتشخيص الطبي متطابق، والنتيجة الفيزيولوجية واحدة.
لكن من منظور المفهوم الحديث الذي قدمته منظمة الصحة العالمية عبر التصنيف الدولي للأداء الوظيفي والإعاقة والصحة (ICF) عام 2001، فإن هذه النظرة الطبية البحتة لا تمثل سوى جزء بسيط من الحقيقة.

يُعرِّف التصنيف الدولي الأداء الوظيفي بأنه:

“مصطلح شامل يغطي جميع وظائف الجسم وأنشطته ومجالات المشاركة”،
في حين تُعرَّف الإعاقة بأنها:
“مصطلح شامل يشمل القصور، ومحدودية النشاط، أو تقييد المشاركة”.

هذا التعريف لا يهدف إلى الوصف الطبي فحسب، بل يؤسس لفهم شامل ومعقد لطبيعة الإعاقة بوصفها تفاعلًا بين الحالة الصحية للفرد والعوامل البيئية والاجتماعية المحيطة به.
فالإعاقة، وفق هذا المنظور، ليست مجرد خلل في عضو أو وظيفة، بل هي تأثير تراكمي يشمل قدرة الشخص على ممارسة حياته اليومية والمشاركة في المجتمع على نحو متكامل.

من النموذج الطبي إلى النموذج الوظيفي الإنساني

هذا التحول في التفكير وفي أدوات التقييم يفتح الباب أمام مقاربة أكثر إنسانية وشمولية، إذ ينتقل التركيز من دراسة القصور إلى فهم كيف يعيش الفرد مع حالته، وكيف يمكن تمكينه من تجاوزها.
إنها نقلة نوعية من النظر إلى الشخص باعتباره “مريضاً” إلى التعامل معه باعتباره “إنساناً فاعلاً” يمتلك قدرات مختلفة يمكن تعزيزها.

ولإيضاح هذا التحول، لنعد إلى مثال السيدات الثلاث، بعد أن خضعن جميعًا للعلاج الطبي ذاته، وتركيب الأطراف الصناعية، وإعادة التأهيل.

  • المذيعة التلفزيونية:
    ستتمكن غالباً من العودة إلى عملها وممارسة مهامها بصورة شبه كاملة، لأن طبيعة عملها تعتمد على التواصل اللفظي والإبداعي أكثر من اعتمادها على القدرات اليدوية.
    بل وربما تصبح تجربتها مصدر إلهام للآخرين، مما يعزز من مكانتها المهنية والاجتماعية ويمنحها شعورًا أعمق بالقوة والإصرار.
    على المدى الطويل، قد تتحول الإعاقة إلى دافعٍ إيجابيٍ في حياتها المهنية والشخصية.
  • أما الجراحة:
    فإنها ستواجه واقعاً مهنياً قاسياً، إذ لن تتمكن من أداء عملها الجراحي الذي يتطلب دقة عالية في استخدام اليدين.
    وبذلك ستُجبر على إعادة تعريف مسارها المهني بالكامل، مما قد يؤدي إلى تراجع دخلها وتبدّل مكانتها الاجتماعية، مع احتمالية تأثرها نفسياً نتيجة فقدان هويتها المهنية التي بنتها على مدار سنوات.
    هذه الحالة تعكس التبعات الاقتصادية والنفسية العميقة التي قد تترتب على الإعاقة رغم تماثل التشخيص الطبي.
  • أما ربة المنزل:
    فستحتاج إلى مستوى دعم وظيفي ومجتمعي وعائلي كي تتمكن من مواصلة أعمالها اليومية وإدارة شؤون أسرتها.
    وقد يؤدي ذلك إلى أعباء مالية إضافية على الأسرة أو إلى شعور بالاعتماد المفرط على الآخرين، الأمر الذي يترك آثاراً نفسية واجتماعية لا تقل أهمية عن الأثر الجسدي نفسه.

الدروس المستخلصة

يُظهر هذا المثال البسيط أن الحالات الطبية المتطابقة لا تعني أبداً نتائج أو احتياجات متطابقة.
فكل فرد يعيش التجربة بطريقة مختلفة بناءً على تفاعل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المحيطة به.
ولذلك، لا يمكن لتقييم الإعاقة أن يُختزل في تشخيص طبي، بل يجب أن يُبنى على رؤية متكاملة للإنسان والسياق الذي يعيش فيه.

من الناحية النظرية، يبدو تبنّي هذا النهج أكثر عدلاً وإنسانية، لكنه في التطبيق العملي لا يخلو من التحديات، إذ يتطلب منظومات بيانات متكاملة، وتعاوناً مؤسسياً بين الجهات الصحية والاجتماعية والتعليمية، إضافة إلى وعي مجتمعي يقبل التنوع ويحتضنه.

الإطار المفاهيمي للتصنيف الدولي للأداء الوظيفي (ICF)

قدّم التصنيف الدولي نموذجاً متكاملاً لتنظيم المعلومات المتعلقة بالأداء والإعاقة، من خلال هيكل ثلاثي الأبعاد يربط بين:

  1. بُنى ووظائف الجسم – أي الجانب الطبي والفيزيولوجي.
  2. الأنشطة – أي ما يستطيع الفرد القيام به فعلياً.
  3. المشاركة – أي قدرة الفرد على الانخراط في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

ويُضاف إلى هذه الأبعاد محوران أساسيان:

  • العوامل البيئية مثل إمكانية الوصول، المواصلات، التكنولوجيا المساعدة، السياسات والقوانين.
  • العوامل الشخصية مثل التعليم، الدخل، الخبرة، والدعم الأسري.

بهذا النموذج، تصبح الإعاقة نتيجة تفاعل معقّد بين الحالة الصحية والعوامل السياقية، لا مجرد نتيجة لحالة طبية محددة.

تطور أدوات تقييم الإعاقة عالمياً

سعت العديد من الدول والمؤسسات إلى تطوير أدوات دقيقة لتطبيق هذا المفهوم، من أبرزها:

  • أداة WHODAS 2.0 التي طورتها منظمة الصحة العالمية لتقييم الأداء في ستة مجالات تشمل: الفهم والتواصل، الحركة، الرعاية الذاتية، العلاقات الشخصية، الحياة اليومية، والمشاركة المجتمعية.
  • استبيان مجموعة واشنطن الموسع الذي يُستخدم في المسوح السكانية لقياس مستويات الإعاقة وأنماطها.
  • المقاييس النفسية والسلوكية المتخصصة مثل مقياس فينلاند للسلوك التكيفي، الذي يقيس مهارات الحياة اليومية لدى الأفراد ذوي الإعاقات الذهنية.
  • بالإضافة إلى الأدوات الوطنية التي طورتها بعض الدول لتناسب واقعها المحلي ولغتها وثقافتها.

ورغم هذا التنوع، فإن معظم هذه الأدوات تتشارك سمات رئيسية، منها:
أنها تعتمد على التدرج في الدرجات أو النقاط، وتقيّم الوظائف الحياتية اليومية، وتم اختبارها من حيث الموثوقية والصلاحية العلمية، وتركّز على الأداء الفعلي لا التشخيص فقط.

السؤال الجوهري: لماذا نحتاج أدوات محلية؟

رغم وجود أدوات عالمية متقدمة، ما زالت الدول تسعى إلى تطوير أدوات محلية مستقلة لتقييم الإعاقة.
ويعود ذلك إلى سببين رئيسيين:

أولاً: السياقية والملاءمة المحلية

تشمل هذه الخصوصية عدة أبعاد:

  • اللغة والثقافة والعادات الاجتماعية: إذ تؤثر طريقة التعبير عن الصعوبات أو وصف الإعاقة على نتائج التقييم.
  • الهدف من التقييم: فبعض الدول تستخدمه لتحديد الأهلية للحصول على دعم أو خدمات، بينما تستخدمه أخرى لأغراض التخطيط والسياسات.
  • الإمكانات الوطنية المتاحة: مثل قدرة الجهات الحكومية على جمع البيانات أو ربطها بأنظمة الدعم الاجتماعي والاقتصادي.

ومن ثم، يصبح تطوير أدوات محلية ضرورة لتكييف المفاهيم العالمية مع الواقع المحلي وضمان أن تكون النتائج قابلة للتطبيق العملي.

ثانياً: تجاوز القصور في الأدوات الدولية

بعد دراسة الأدوات العالمية يتضح أن كل أداة صُممت لغرض محدد:

  • فبعضها يصلح للبحث العلمي أكثر من الاستخدام الحكومي.
  • وبعضها يُركّز على أنواع معينة من الإعاقات أو فئات عمرية محددة.
  • وبعضها الآخر لا يغطي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية بشكل كافٍ.

ولذلك، لضمان تقييم شامل وواقعي، يجب تصميم عملية متكاملة تضم مراحل مترابطة تشمل:

  1. التشخيص الطبي والوظيفي كمرجعية أساسية.
  2. التقييم الوظيفي لأنشطة الحياة اليومية مثل الحركة، التواصل، والرعاية الذاتية.
  3. تقييم القدرة على العمل أو استئناف التعليم لتقدير إمكانية الدمج الاقتصادي.
  4. تقييم الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر لتحديد مستويات الدعم المطلوبة.
  5. تقييم العوامل البيئية المحيطة مثل السكن، المواصلات، الخدمات الصحية، وتوافر التكنولوجيا المساعدة.
  6. الربط بين التقييمات والأنظمة الوطنية كالسجلات السكانية، واستطلاعات الدخل والإنفاق، ورسم الخرائط الجغرافية للخدمات.

نحو تقييم تكاملي وعادل للإعاقة

يتضح من التجارب الدولية أن النجاح لا يتحقق بمجرد اعتماد أداة عالمية، بل من خلال الدمج الذكي بين المعايير الدولية والواقع المحلي.
فالإعاقة ليست حالة طبية فقط، بل ظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد تتطلب تعاوناً مؤسسياً بين وزارات الصحة، التنمية الاجتماعية، التعليم، والإحصاء، إضافة إلى المجتمع المدني والقطاع الخاص.

إن تقييم الإعاقة الشامل هو جسر العبور نحو سياسات قائمة على الأدلة ونظم دعم عادلة ومجتمعات دامجة.
لكن تحقيق ذلك يتطلب فهمًا عميقًا بأن تقييم الإعاقة ليس عملية نمطية، بل عملية تشاركية معقدة تستند إلى بيانات دقيقة، أدوات مُختبرة، وفهم حقيقي لتجربة الإنسان الفرد في مجتمعه.

الخاتمة

لقد وضعت النظريات والممارسات الدولية أسساً واضحة لتحقيق العدالة والمساواة في التعامل مع الإعاقة.
ورغم الجهود الكبيرة المبذولة لتطوير أدوات تقييم متقدمة، إلا أن جوهر النجاح يكمن في القدرة على الدمج والتكييف، بحيث تعكس الأداة الواقع المحلي دون أن تفقد اتساقها مع المعايير الدولية.

إن تقييم الإعاقة ليس قالباً واحداً يناسب الجميع، بل هو رحلة متعددة المستويات تتطلب تصميمًا دقيقًا ووعياً إنسانياً، لتحقيق الغاية الأسمى:
أن يُنظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم أفراداً فاعلين في المجتمع، لا مجرد حالات طبية.

شارك

Facebook
Twitter
LinkedIn

Related Posts

Uncategorized

الصحة النفسية في بيئة العمل: مسؤولية مشتركة نحو أداء مستدام

لم تعد الصحة النفسية رفاهية في بيئة العمل الحديثة، بل أصبحت أحد أعمدة الاستدامة المؤسسية. فالموظف المنهك لا يمكنه الإبداع، والفريق المرهق يفقد الانسجام، والمؤسسة التي تتجاهل الصحة النفسية لأفراد الفريق تخسر تدريجيًا رأس مالها البشري، وهو أثمن أصولها. في عالم يتسارع بإيقاع غير مسبوق، حيث تتشابك الضغوط المهنية والشخصية،

Read More »
Uncategorized

إعادة البناء من الداخل: إرساء مؤسسات الرعاية الصحية في مدينة ما بعد الصراع – الموصل

الموصل… تلك المدينة التي كانت يومًا تنبض بالحياة، بالعلم والتجارة والفن، دفعت ثمنًا باهظًا للحرب،  تهشّمت جدرانها، وتكسّرت مآذنها، وخفتت أصوات الحياة فيها… لكن روحها لم تنكسر وتسير اليوم بخطى ثابتة نحو النهوض، لا بإعادة بناء حجارتها فحسب، بل بإحياء هويتها الأصيلة. وأكثر ما يلفت الأنظار في الموصل ليس الدمار

Read More »